تزخر الهوية الطبخية والتراثية التونسية بالعديد من أصناف الحلويات الفريدة التي ارتبطت بالمناسبات والأفراح، ولكن هناك اسماً واحداً يثير حماس التونسيين والعرب ويسيطر على الصدارة دون منازع: المقروض القيرواني.
هذه الحلوى الأسطورية، التي تضرب جذورها في عمق التاريخ الإسلامي لمدينة القيروان العريقة، لم تعد مجرد حلوى محلية تُباع في الأسواق العتيقة؛ بل أصبحت اليوم سفيراً للمطبخ التونسي ومتوفرة في كبرى المحلات العربية والأوروبية لتقاسم العالم سر قرمشتها وذوبانها الساحر.
ما هو “المقروض القيرواني”؟
بشكل مبسط، يتكون المقروض التونسي الأصيل من عجينة ذهبية متقنة تُصنع من سميد القمح الفاخر وزيت الزيتون البكر، تُحشى في وسطها عجينة غنية من التمر المرحي (خاصة تمور دقلة النور التونسية الشهيرة). يتم تقطيع العجين على شكل مَعينات (أشكال هندسية مميزة)، ثم يُقلى في الزيت أو يُخبز في الفرن، لِيُغمس فور خروجه وهو ساخن في قطر العسل الفواح بنكهة ماء العطرشية أو ماء الزهر. هذا المزيج الفريد يمنحك قواماً يجمع بين القرمشة الخارجية والذوبان المخملي الداخلي مع كل قضم.
التنوع والنكهات الحديثة في الأسواق
مع انتشار التحديث والابتكار في محلات الحلويات التونسية الكبرى، تفرع المقروض الكلاسيكي إلى تشكيلة متميزة من النكهات التي تلبي مختلف الأذواق المعاصرة:
- المقروض التقليدي بالتمر: وهو النمط الكلاسيكي الأكثر مبيعاً وشهرة وشعبية.
- مقروض اللوز والفاكهة: حيث يتم تعويض التمر بحشوة غنية من اللوز المرحي أو البوفريوة (البندق) لمحبي النكهات المبتكرة.
- المقروض الأبيض (الدياري): ويتم طهيه في الفرن بدلاً من القلي ليكون أخف وزناً وأقل سعرات حرارية.
- مقروض الجلجلان (السمسم): الذي يُرش ببذور السمسم المحمصة من الخارج لإضافة قرمشة ونكهة شرقية إضافية.
الطريقة المثالية لتناوله: طقوس الضيافة التونسية
لا يمكن لأي زائر أو مبتدئ أن يدعي تجربة المقروض دون القيام بطقوس التذوق التونسية الأصيلة:
- يفضل تناول المقروض وهو دافئ أو في درجة حرارة الغرفة لتكون حشوة التمر طرية تماماً.
- يُقدم المقروض بشكل أساسي إلى جانب كوب من الشاي التونسي بالنعناع واللوز، أو فنجان من القهوة العربي الفواحة بالزهر.
- التناقض الساحر بين مرارة القهوة أو حدة الشاي، وبين حلاوة العسل والتمر في المقروض، يخلق توازناً مذهلاً للنكهات في الفم ويجعله تجربة لا تُنسى.
لقد نجح المقروض القيرواني في التحول من حلوى شعبية ترتبط بالمدينة العتيقة، إلى ظاهرة استثمارية محلية ودولية تنافس كبرى قلاع صناعة الحلويات عالمياً، بفضل الحفاظ على المكونات الطبيعية والوفاء للوصفة التاريخية التي توارثتها الأجيال.


























