يمر قطاع الملابس المستعملة في تونس، أو ما يُعرف بـ “الفريب”، بظرفية استثنائية وتحولات هيكلية عميقة فرضتها التغيرات المناخية السريعة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة. ولم يعد هذا القطاع مجرد تجارة تقليدية بسيطة، بل أصبح صناعة وسلسلة اقتصادية متكاملة تشهد نمواً ملحوظاً في الإقبال، بالتوازي مع تحديات جديدة تواجه مسالك التوريد والتوزيع المحلية.
تغير عقلية المستهلك: الإقبال يتجاوز 90%
تشير أحدث البيانات الصادرة عن الغرفة النقابية الوطنية لتجار الملابس المستعملة بالجملة إلى أن “الفريب” بات يستقطب اليوم أكثر من 90% من المواطنين التونسيين من مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية. ومع تراجع القدرة الشرائية والارتفاع المستمر في أسعار الملابس الجاهزة والجديدة، لم يعد الفريب حكراً على الفئات محدودة الدخل، بل أصبح مقصداً رئيسياً للعائلات المتوسطة وحتى الميسورة التي تبحث عن الجودة العالية والعلامات التجارية العالمية بأسعار مناسبة.
أثر التغيرات المناخية على معروضات الفريب
أبرز التحديات الجديدة التي فجرها الخبراء والمشرفون على القطاع تتمثل في تأثير الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية على طبيعة الطلب والسوق؛ حيث أدى امتداد فصل الصيف وقِصر الموسم الشتوي إلى إحداث صعوبات بالغة أمام تجار الجملة والتفصيل. وتكمن المعضلة في أن أغلب الحاويات المستوردة تأتي من أسواق أوروبية وأمريكية باردة تمتاز بوفرة الملابس الشتوية الثقيلة، مما خلق فجوة بين طبيعة السلع المتوفرة وحاجة المستهلك التونسي الحالية للملابس الصيفية والخفيفة.
دور التكنولوجيا ومشاريع الاقتصاد الدائري
بالتزامن مع هذه التحولات، لعبت منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت دوراً محورياً في تطوير طرق تسويق وعرض الملابس المستعملة، من خلال ظهور محلات متخصصة تعتمد على الجودة العالية والقطع النادرة والتوجه نحو آليات الدفع الإلكتروني في تونس لتسهيل المعاملات المالية الحركية. وفي خطوة رائدة لدعم الاستدامة، أطلقت تونس مشاريع نموذجية مخصصة لجمع الملابس المستعملة وإعادة تدويرها ورسكلتها بالتعاون مع الجامعة التونسية للنسيج، مما يسهم في خلق سلسلة قيمة جديدة والحد من التلوث والنفايات.
الدعوة إلى مراجعة القوانين المنظمة
نظراً للأهمية البالغة لهذا النشاط الذي يوفر أكثر من 200 ألف من فرص جديدة للعاطلين عن العمل في تونس بشكل مباشر وغير مباشر، تتصاعد الدعوات اليوم من الهياكل النقابية لضرورة مراجعة الإطار القانوني والتشريعي المنظم للقطاع، والذي يعود بعضه إلى أكثر من ثلاثة عقود. ويرى أهل المهنة أن تحديث هذه القوانين يمثل الضمانة الأساسية لتوفير ظروف عمل ملائمة لتجار التفصيل والجملة، وبما يكفل استمرارية النشاط ووصول السلع للمواطن بأسعار مقبولة وفي متناول الجميع.


























